السبت، 13 يناير 2018

المحبوبات الجازية


الحب عندي غريزة تنشد كمالاً وجمالاً مطلق فتشبثها بالمحبوبات
ماهو الا تنقلات (فلما أفل قال .. لا أحب الافلين)..

     إنه الحب ينادي .. ويُنادَى
                      يركب الهوجاء بحثاً .. يتمادى

      يطلب الكون .. كمالاً وجمالا
                       افرد الكون جناحيه اعتدادا

       سرح الطرف .. يميناً.. فشمالا
                       ثم عاد الحبُ مكلوماً يُهادى

      كلما يبزغ فجرٌ .. يتأله
                         آفلٌ .. ذلك لا يعطى الودادى

      حسنًا .. ترجو !! فإن طال المدى
                         ستجده ،، حيثُ نأتيه فرادى

لا تعذلوني


    
      كم همستم عن حبيبي ﻻ أجيب 
                            إن عيني عن حبيبي ﻻ تغيب

       لو زرعتم في عيوني الف عين 
                              لن ترى عيناي فيه أي عيب 

        تبتعد عنه خطاي مرة 
                              كي يناديني فآتيه مجيب

       أو أغض الطرف يوما عله
                          عانق الطرف خيالات الحبيب

      كلما مامر نسيم زاده
                           نسمات منه ترقيقا وطيب 

      عاذلي لوصادفت منك المنى
                          مبلغي أو كنت منه بالقريب

       لم تلمني!! إن هذي سطوة
                     في مقام الحب بل شئ عجيب



الحرية في الاسلام


انتهينا في مقال سابق الى أن الحرية تنقسم الى حرية مطلقة وهي تلك الحرية التي ترفض كل قيد اي كان وخلص بنا الكلام الى عبثية هذا النوع من الحرية وأنها تنجر الى العدم ، والنوع الاخر من الحرية وهي الحرية النسبيه أوالحرية المقيدة وهي تلك الحرية التي تلحظ بعض القيود التي من شأنها أن تحافظ على مبدأ الحرية ذاته .
ومع أن الدين الاسلامي لاحظ مسألة الحرية في كل تشريعاته إلا أنه رفض الحرية المطلقة لأنها تعني الفوضى والفساد المطلق .

فالإسلام يقر بالحرية ويشرعنها أيضا ضمن دساتيره وأحكامه ولا يوجد ميدان من الميدان تنكر فيه الشريعة الاسلامية الحرية بالكلية بل نادى الاسلام بالحرية في مجالات مختلفة من ميادين الحياة وشعبها ، حتى على إطار المعتقدات فان الاسلام جعل الحرية تأخذ دورها وترك للإنسان حريته في المعتقد قال تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وقال تعالى{فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. 
وأطلق الحرية في التشاورات السياسية ايضا قال تعالى{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.
وجعل للإنسان حرية التفكر قال تعالى{ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.

ولا شك ان الاسلام يتضمن الأحكام الشرعية من افعل ولا تفعل وهي قد تحد بدورها من حرية الانسان غير انها في عمقها تتضمن تحرر الانسان من قيود وعبوديات دنيئة ، وبالنظر الى عدم وجود حرية مطلقة أصلا فلا ضير من وجود القيود التي تسمو بالإنسان الى غايات نبيلة ، فان التفلت من هذه القيود لا شك انه يوصل الانسان الى عبوديات لاحد لها ، وذلك لان الابتعاد عن الدين القويم والشريعة السماوية الربانية التي توضح للإنسان منهج فلاحه ونجاحه وتحقق له سعادة الدارين لاشك ان الإنحياد عن جادتها يرمي بالإنسان الى فقدانه حريته لان الدين يوصل الانسان الى المطلق الذي لا يحده حد والتفلت منه يقرب الانسان من المحدود ؛ فإذا الحرية تكتسب قيمتها من الدين المفضي الى عبودية الرب تبارك وتعالى وليس في نطاق او مجال خارج عنه فإن الكل خاضع لإرادة الله التكوينية .

 وقد نادى احد علماء الاسلام في وآخر الدولة العثمانية قائلا " يا أبناء الوطن !! لا تفسروا الحرية تفسيرا سيئا كي لا تفلت من أيديكم ، ولا تخنقوها بسقي الاستعباد السابق ، في إناء اخر ؛ ذلك لأن الحرية أنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة"(١)

حقاً ان الانسان لا يصل الى السعادة الحقة الا بتباع الهدي القراني والتمسك بالدين السماوي ، وان من تنكر له ، فسيقع بين تأليه للذات او تأليه للغير ، وقد يتحرر من استعباد ما لكنه لا محالة واقع في استعباد من نوع اخر . 

وفي الحقيقة لو نظرنا الى القواعد الفقهية لوجدناها تشير الى اتساع مدى الحرية أصلا مثل القاعدة الفقهية التي تقول" الأصل في الأشياء الإباحة" وهذه القاعدة تعني بان الأمور جميعها من حيث الأصل مباحة للإنسان ، فمن أراد ان يمنع احدا عن فعل باسم الدين فعليه ان يأتي بالدليل الموجب للمنع ، لان الأصل الإباحة وهي لا تحتاج الى من يدلل عليها  بينما المنع والتحريم هما بحاجة الى دليل يدل عليهما. 

وإذا عدنا ايضا الى نصوص التكاليف الشرعية من زاوية اخرى نجدها تطلب من المكلف القيام بالعمل او تطلب منه الابتعاد عن فعل مع ترك حرية القيام بالعمل او تركه للمكلف ، ويقتصر دور النصوص على الترغيب والترهيب وعلى التشويق والتحذير وبيان الجزاء بالحسنى لمن قام عليها والتخويف بالويل في العقبي لمن تركها وفي ذلك غاية الحرية وغاية الحفاظ على مصيره الأخروي اذ لا تتركه من غير بيان .
___________
١-النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية، ص. 81 .


عبودية الانسان الشرعية



 إن تلك العبودية التكوينية التي تكلمت عنها في مقال سابق  منسحبة على كل أرجاء هذا العالم بما فيه الإنسان وليس بوسع الإنسان أن يند عنها أو يخرج من دائرتها بل هو فرد كوني من ذلك العالم يجد نفسه يدور مرغما في فللك تلك العبودية التكوينية حينا ، وبين إرادة حية تتردد بين اختيارين حيناً اخر.

ولهذا فإن العبودية لله سبحانه وتعالى بالنسبة للإنسان المختار صاحب الإرادة الحيه والعقل المفكر تنقسم على قسمين:
الأولى : عبودية الانسان التكوينية.
 والثانية: عبودية الانسان الأختياريه (الشرعية).

أولا/ عبودية الانسان التكوينيه :
الإنسان عبدا لله تبارك وتعالى بواقعه الإضطراري إذ أنه جزء من هذا العالم ، ليس له أن يشذ أو يتمرد على إرادة الله التكوينية التي استوعبت الوجود بأسره .
فنجده يسير وفق نواميس كونيه مرغم على الإنقياد بتعاليمها أو خاضعا لما تحكم به عليه كالحياة والموت ، والولادة والنمو، واليقظة والمنام ، والأكل والشرب  ، وليس هو أيضاً مختارا لحجمه وشكله وعائلته ونسله ، وغيرها من النواميس الداخلة في تكوينه وتلك الأخرى التي تجري عليه أيضاً من الخارج فليس بمقدوره أن يخالف القوانين الكونية الجارية في الطبيعة كمجئ الليل والنهار عليه  ، وجريان الأزمنة والأوقات ، ودوران الارض به ، وانصباب المطر من سمائه وغيرها، وكل القوانين الفيزيائية والكيميائية وقوانين علم الأحياء . 
 قال تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} .
ولما كان الإنسان بهذا العجز وبتلك الحاجة الى خالقه أصبح عبدا مملوكا ، وخاضعا مستسلما لإرادته أستسلاما تكوينيا جبريا . 

ثانيا/ عبودية الانسان الاختيارية:
إن هذا النوع من العبودية مرتبطا بسلوك الانسان مع ربه فإن الحق تبارك وتعالي له مرضيات يحب من عباده إتيانها وله مكروهات يبغض من عباده ارتكابها  وبما أن الانسان كائن عاقلاً مختارا  يملك قدرة على الاختيار بما أفاض الله عليه من قوة العقل يستطيع أن يختار طريق العبودية لله بتباع مرضياته واجتناب مسخطاته كما باستطاعته أيضاً أن يختار طريق الضلال الذي هو طريق العبودية لغير الله .
هذه العبودية التي يختارها الانسان سوء العبودية لله أو لغير الله هي عبودية إختيارية ، اختارها الانسان بمحض إرادته ، لذا كان مسؤلا عنها ومحاسبا عليها يوم الجزاء .
قال تعالى{ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}.
وقال تعالى{ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}.

العبودية التكوينية


العبودية تعني التسليم والخضوع وهي جارية في الكون برمته بما يحويه من حيوانات ونباتات وجمادات ومائعات وأفلاك سيارة وعناصر وذرات الكل خاضع لأمره ومستسلم لنظامه الذي رسمته له يد القدرة وخطته له .

وليس بمقدور اي كائن الخروج عن هذا النظام المتقن وذلك التقنين البديع والسبك المحكم بل السماوات والأرض ذانك المخلوقين العظيمين خاضعة مستسلمة للأوامر التكوينيه بكل نشوة وفرح قال تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.

ولكي تتضح الصورة أكثر فلنستمع الى البيان القراني البليغ وهو يصف ذلك المشهد من العبودية وكأنك في مجلس ذكر وحلقة تسبيح ومسجد عبادة  فيجلي هذا المعنى في أوضح صورة وأنصع بيان ويصفه وكأنك ترى العالم من خلاله عابدا ساجدا وراهبا عاكفا يستشعر وجود خالقه ويسلم بعظمة صانعه.

قال تعالى{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ*وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}
وقال تعالى{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طوعا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}

أنا الذات وعجز الإنسان


إن أيا منا لم يستدعي نفسه الى هذه الدنيا ولم يكتب استدعاءاً لمن له الشأن في إيجاده ، كما انه لم يكن فاعلا مختارا ليدخل نفسه الى حيز الوجود قادما من كتم العدم ، اذ من الضروري ان العدم الذي يسبق الوجود لا يمكنه ان يحدث وجودا وإلا لم يكن عدما أصلا.

ان الله تبارك وتعالى يخبرنا عن قصة وجودنا وانه هو سبحانه الذي اوجدنا من العدم قال تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

ومناقشة هذه الحقيقة ليس هذا مجال بحثه اذ مخاطبي الأول هو من أقر وآمن بالله ربا وبالإسلام دينا وان كنت أراعي من يجلس مستمعا في الجانب الأخر ممن لم يدخل دائرة الإيمان.

فهذا الانسان ذو الآلات الخارقة والأجهزة العجيبة المتناسقة فيما بينها وصاحب الشعور الحي لم يكن يوما ما شئ يذكر قال تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} .

فقد كان عدما ثم أمتن الله عليه بنعمة الإيجاد ولا يزال القرآن والذي هو خطاب الله للإنسان يبين له مدى ضعفه وعجزه المتناهيين والملازمين له منذ النشأة الاولى الى المنتهى قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}.
إذ بمعرفة الإنسان لضعفه وعجزه تتحقق له العبودية الحقة لله تبارك وتعالى ؛ ذلك أن ضعفه لابد له من قوة مطلقة يستند اليها وما ذاك إلا رب العزة والجلال المتفرد بالإيجاد والإمداد.
وإن عجزه يحتاج الى قادر مطلق يلتجئ اليه وما ذاك الا من بيده خزائن كل شئ {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} .
ومن خزائنه لا تنفذ ولاتنقطع{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}.
ومن لا يعجزه شئٌ ولا يغلبه شئ{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}.

ونبه تبارك وتعالى  الإنسان في اكثر من موضع من كتابه الكريم ليوقظ الانسان من رقدته ويفيقه من غفلته بضروب من الآيات القرانية في بلاغة وإيجاز وحسن بيان وإعجاز ، فتارة يوقظه بتلطيف وتحنن
 ك{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}
 و{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
و{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}
و{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}
و{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ} .

وتارة يقرع سمعه بقوارع العقل والتفكر نحو
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
و{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}
و{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى}
و{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}
و{ أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا}
و{ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}
وغيرها من الآيات الكريمة .

                               ******
   غير أن الإنسان ومن جهة التصرفات الصادرة منه يظن خطأ أن له قوة وقدرة منفكة عن غيرها ناشئة من قبله ناسيا ضعفه وعجزه ؛ ذلك أن القدر الضئيل من الأرادة الجزئية التى أعطاها الله له - والتي تشبه أن تكون كطفل أراد أن يتسلق جبلا ذو قمة شاهقة منيفة مع منتهى ضعفه وعجزه فما كان من أبيه إلا أن أخذ بيده وحمله على كتفه وأوصله الى تلك القمة الشاهقة فالناظر الى ذلك الصبي يعلم أنه لم يصل الى تلك القمة بمحض إرادته ويتيقن أن خلف صعوده قوة قادرة حملته الى هناك - فتلك الإرادة الجزئية و بالنظر الى تصرفاته وبحكم الظاهر يزعم أن له قوة وإرادته ذاتية تنشأ عنها تصرفاته كيف شاء متى شاء ولكن إن أمعن النظر قليلا ودققه يجد أن مامن جزء فيه ألا وهو يمد آنيا وبكل مقوماته وبكل احتياجاته من لدن قدير مطلق القدرة ورحيم في غاية الرحمة واللطف لو تركه لنفسه طرفة عين لهلك .

                               ******
فانظر إن شئت مثلا الى ذلك السر الذي يسري في جسدك و الذي يمد كل أعضائك بالطاقة والحيوية أنه كيف وصل إليك وهل لك الى معرفته من سبيل(١)  وأنك كيف تظل عاجزا أمامه إذا تسرب من جسدك تاركه وراءه جثة هامدة ليس لك الى استبقائه حول ولا قوة٠

وانظر إن شئت لذرات عينك كيف هي وكيف أن كل جزء منها يمد الآخر ويعينه ويسانده لتحقيق القوة الباصرة، فهل لك من تدخل في ذلك !! فإن كنت مالكا لذرات عينك فانسب لذاتك تلك القوة الباصرة واعتد بعد ذلك بنفسك كيف شئت ، وان لم تكن كذلك فاعلم أنك عبدا بواقعك الإضطراري لمن يملك تلك الذرات والتي هي كالجنود المسخرة له والمنقادة لأمره {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}.
____________
١- المقصود بالسر الروح وبعدم المعرفه إشارة الى قوله تعالى
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} .

الجمعة، 12 يناير 2018

الحرية بين القيمية والوسائلية




يرى بعض العلماء أمثال (ماسلو ) أن مفهوم القيمة مساو لمفهوم الحاجة، كما يرى البعض ان للقيمة أساساً بيولوجياً فهي تقوم على الحاجات الاساسية   فلا يمكن ان توجد قيمة لدى الفرد إلا إذا كانت لديه حاجة معينة يسعى نحو تحقيقها أو اشباعها.
ويقسم بعض الباحثين القيم ـ بهذا المفهوم ـ الى نوعين:
ـ قيم اولية  : تتعلق هذه القيمة بالحاجات البايلوجية.
ـ قيم ثانوية : وهي تهتم بالجانب الاخلاقي والاجتماعي.《١》

وتعتبر القيم كما يعرفها العديد من علماء الاجتماع  " مستوى أو معيارًا  للانتقاء من بين بدائل أو ممكنات اجتماعية متاحة أمام الشخص  الاجتماعي فيالموقف الاجتماعي " . 《٢》

وعرفت القيمة بأنها قناعة الانسان بأهداف مشروعة تعطيه معايير للحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح او بالأمر والنهي.

ومن هذه التعاريف يمكننا ان نستنتج مجموعة من المحددات للقيمة وهي:
اولا: ان القيمة هي قناعات ثابتة ينبغي الإيمان والتسليم بها.
ثانيا : تعتبر القيمة محفز ودافع يستثير الانسان نحو تحقيقه غير ان القيمة أسمى من الدافع اذ ان الدافع قد يكون نحو أمور غير مشروعة بينما تمتاز القيمة بالأهداف المشروعة .
ثالثا: ان القيمة تعتبر معيارًا او مقياس نستطيع من خلاله انتخاب الأقرب من الوسائل لتحقيق الهدف وكذلك اختبار الأفضل من بين البدائل المتعددة لتحقيق الهدف .

وإذا نظرنا للقيم باعتبار انها مجموعة من المعايير والمقاييس تضبط سلوك الانسان وتوجهه نحو الأمثل والأفضل فإن ذلك لا يتماشى مع مفهوم الحريه ذو المضمون الضبابي وغير المحدد وإنما الحرية تكتسب قيمتها من الغاية والهدف.

كما ان الحريه بمفهوم إزالة العوائق وكسر القيود لاترقى الى مرتبة القيم وقد بينا محددات القيمة فيما سبق وإنما الحرية بهذا المفهوم تعتبر الإطار للتنمية البشرية الصالحة وتبقى الحاجة الى مضمون ومحتوى يفرغ في هذا الإطار .

 وبعبارة اخرى ان مجرد الاستطاعة للتصرف الحر لا تكفي لصناعة الانسان وتكامله بل  تبقى الحاجة لمعايير ومقاييس تضبط السلوك وتوجه الانسان للإنتقاء من بين البدائل وهو ما عبرنا عنه بالقيم.

فالحرية اذا  لا تعبر عن قيمة مستقلة ، وان كانت ذات أهمية لا تنكر في الفكر الاسلامي.《٣》 

ويرى الدكتور ايمن المصري ان الحرية تعتبر وسيلة وليس غاية فيقول:" إن حركة الإنسان الاختيارية نحو فعل معين، إنما يكون دائما تابعا لإرادته، وهذه الإرادة تنبعث دائما عن غاية معينة يعلمها الإنسان، ويطلب تحقيقها بفعله الاختياري، وهذه الغاية منحصرة إما في طلب كمال ما مفقود، كالمال و العلم، أو حفظ كمال ما موجود، كالصحة والحياة، وهذا الكمال هو الذي يحقق السعادة للإنسان.
وهذا مايقصده الحكماء بقولهم، أن الفعل الاختياري للإنسان إما يكون لجلب النفع، وهو (طلب الكمال المفقود)، أو دفع الضرر (الذي يهدد بفقد الكمال الموجود).
ومن هنا يتبين لنا بوضوح أن الحرية ليست غاية في نفسها، بل مجرد وسيلة لتحقيق غايات الإنسان في هذه الحياة". 《٤》 

وبالنظر في العوامل التي تسهم في تحقيق الغايات المتمثلة في الكمالات الحقيقية التي تضمن بدورها سعادة الانسان نجد ان تلك العوامل تارة تكون إيجابية وتارة تكون سلبية ، ويعتبر العلم والتربية من العوامل الإيجابية هنا ، بينما تعتبر الحرية عامل سلبي  ، بعتبار انها عدم وجود العائق امام أهداف الانسان الحر ، فالحرية ليست هدفا يطلب لذاته وإنما هي وسيلة لتحقيق الأهداف والقيم ، وكذلك بعتبار انها ليست من العوامل الإيجابية المساهمة بصورة مباشرة في تحقيق الكمال الإنساني تعد قيمتها من الدرجة الثانية.

____________________________
١-  كتاب التشريع الإسلامي - مناهجه ومقاصده (الجزء الثالث) للمدرسي. 
            وانظر أيضا د. عبداللطيف خليفة - كتاب ارتقاء القيم - الكويت - ص٥٣ .
٢- رسالة دكتوراه للإبراهيم السيد بعنوان "البناء القيمى وعلاقته بالتنشئة
          الاجتماعية والدافعية للإنجاز"
٣- الحرية قراءة في مرتكزاتها الاسلامية -بيروت-ص١٤٣.
٤-  مقال العقل والحرية -د،ايمن المصري-http://www.aqliyah.com- تاريخ
     الدخول 10/10/2015 .


مفهوم الحرية


     مفهوم الحرية يعتبر من المفاهيم الفضفاضة ذات المساحة الواسعة ولذا اختلفت وجهات النظر في صياغة تعريف حدي لها و جاءت التعاريف متباينة تجلي وجهات المعرف احياناً وتتسم بالخصوصية حيناً اخر .

و على الرغم من ان الحرية قيمة من القيم القليلة التي أجمعت البشرية على الإيمان بها الا ان المشكلة الكبرى هي في الوصول الى التعريف بالحرية الى معنى واحد متفق عليه. (١)

ومر مفهوم الحرية بعدة أطوار نظرا لظهور أنماط جديدة من الحياة ، اثرت في التطور الدلالي للمفهوم فقد كانت تعرف الحرية قديما بما ينافي الاستعباد والاسترقاق و التقييد الحسي والسجن ثم توسعت الى مدى يصعب معه  حصر تلك التعريفات او الإحاطة بها .

فهي تعني بالمفهوم العام : حالة الانسان الذي لا يتحمل اي قسر والذي يتصرف وفقا لإرادته وطبيعته. (٢) 

وهي بالمعنى الاجتماعي كما يعرفها مونتسكيو في روح الشرائع (هي حق المرء ان يفعل كل ماتبيحه القوانين فإذا كان لاحد الآهلين ان يفعل ما تحرمه القوانين فقد الحريه ، وذلك لإمكان قيام الآخرين بمثل ما فعل) .(3) 

اما سبينوزا فانه يرى ان الحرية الأخلاقية تعني خضوع الانسان للعقل ، وان الانسان الحر هو ذلك الانسان الذي يعيش وفقا لتوجيهات العقل. (٤)

ويقول إيزايا برلين في سياق حديثه عن مفهومين للحريه يسمى احدها الحرية بالمعنى السلبي والآخر الحرية بالمعنى الإيجابي :
((ان الإكراه يتضمن تدخلاً متعمداً من قبل عدد من الناس  ضمن ذلك المجال  الذي أتمتع فيه بحرية العمل ...ومجرد عدم القدرة على تحقيق هدف لا يعني فقدان الحرية السياسية او الافتقار اليها )) ثم تابع قائلا : (( وتبقى الحقيقة واضحة فحرية البعض تستلزم تقليص حرية الآخرين.

_____________________________________
١- حماد،احمد جلال،حرية الرأي في الميدان السياسي في ظل مبدأ المشروعية ، المنصورة ، مصر ، دار الوفاء، 1992، ص 12.
٢- د.خضر خضر، مدخل الى الحريات العامة وحقوق الانسان ، ص19.
٣- مونتسكيو ، روح الشرائع ، تعريب عادل زعتر ، بيروت ، 2005،ج١،ص268.
٤- مدخل الى الحريات العامة وحقوق الانسان ، د.خضر خضر ، ص20.






الأنسان أولا



يتورط كثير من الناس " بسبب قصور معرفتهم وضيق مداركهم"  عندما تحل بهم المشكلة وتقلبهم صروف الايام ، ليحلوا في مأزق ضيق وينصرفوا لمشكلة اخرى، وهي تحجرهم عند المشكلة وتشكلها والواقع ووقعه ...

والمفهوم السائد عند ارباب التربيه هو ان المشكلة كيف تشكلت والواقع كيف وقع . 
يعني ينصرف نظرهم الى الاسباب التي انتجت المشكلة والمراحل التي اظهرت الواقع ثم العمل على تلافيها واحلال ماهو انجع لما يصبون اليه ..

وقد رأيت ثمت آخرين مغمورين بين الأسماء الرموز قد لبسو جلباب  " وقال انني من المسلمين " 

قد اهتمو بالواضع مع النظر الى الوضع.
  واهتموا بالمتسبب مع النظر في الاسباب.
  واهتمو بالمحدث مع النظر الى اﻷحداث.

انهم جعلوا  ""اﻷنسان "" محط اهتمامهم إذ الاحداث والاوضاع ليست من ذوات الشعور.