السبت، 13 يناير 2018

أنا الذات وعجز الإنسان


إن أيا منا لم يستدعي نفسه الى هذه الدنيا ولم يكتب استدعاءاً لمن له الشأن في إيجاده ، كما انه لم يكن فاعلا مختارا ليدخل نفسه الى حيز الوجود قادما من كتم العدم ، اذ من الضروري ان العدم الذي يسبق الوجود لا يمكنه ان يحدث وجودا وإلا لم يكن عدما أصلا.

ان الله تبارك وتعالى يخبرنا عن قصة وجودنا وانه هو سبحانه الذي اوجدنا من العدم قال تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

ومناقشة هذه الحقيقة ليس هذا مجال بحثه اذ مخاطبي الأول هو من أقر وآمن بالله ربا وبالإسلام دينا وان كنت أراعي من يجلس مستمعا في الجانب الأخر ممن لم يدخل دائرة الإيمان.

فهذا الانسان ذو الآلات الخارقة والأجهزة العجيبة المتناسقة فيما بينها وصاحب الشعور الحي لم يكن يوما ما شئ يذكر قال تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} .

فقد كان عدما ثم أمتن الله عليه بنعمة الإيجاد ولا يزال القرآن والذي هو خطاب الله للإنسان يبين له مدى ضعفه وعجزه المتناهيين والملازمين له منذ النشأة الاولى الى المنتهى قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}.
إذ بمعرفة الإنسان لضعفه وعجزه تتحقق له العبودية الحقة لله تبارك وتعالى ؛ ذلك أن ضعفه لابد له من قوة مطلقة يستند اليها وما ذاك إلا رب العزة والجلال المتفرد بالإيجاد والإمداد.
وإن عجزه يحتاج الى قادر مطلق يلتجئ اليه وما ذاك الا من بيده خزائن كل شئ {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} .
ومن خزائنه لا تنفذ ولاتنقطع{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}.
ومن لا يعجزه شئٌ ولا يغلبه شئ{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}.

ونبه تبارك وتعالى  الإنسان في اكثر من موضع من كتابه الكريم ليوقظ الانسان من رقدته ويفيقه من غفلته بضروب من الآيات القرانية في بلاغة وإيجاز وحسن بيان وإعجاز ، فتارة يوقظه بتلطيف وتحنن
 ك{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}
 و{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
و{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}
و{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}
و{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ} .

وتارة يقرع سمعه بقوارع العقل والتفكر نحو
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
و{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}
و{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى}
و{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}
و{ أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا}
و{ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}
وغيرها من الآيات الكريمة .

                               ******
   غير أن الإنسان ومن جهة التصرفات الصادرة منه يظن خطأ أن له قوة وقدرة منفكة عن غيرها ناشئة من قبله ناسيا ضعفه وعجزه ؛ ذلك أن القدر الضئيل من الأرادة الجزئية التى أعطاها الله له - والتي تشبه أن تكون كطفل أراد أن يتسلق جبلا ذو قمة شاهقة منيفة مع منتهى ضعفه وعجزه فما كان من أبيه إلا أن أخذ بيده وحمله على كتفه وأوصله الى تلك القمة الشاهقة فالناظر الى ذلك الصبي يعلم أنه لم يصل الى تلك القمة بمحض إرادته ويتيقن أن خلف صعوده قوة قادرة حملته الى هناك - فتلك الإرادة الجزئية و بالنظر الى تصرفاته وبحكم الظاهر يزعم أن له قوة وإرادته ذاتية تنشأ عنها تصرفاته كيف شاء متى شاء ولكن إن أمعن النظر قليلا ودققه يجد أن مامن جزء فيه ألا وهو يمد آنيا وبكل مقوماته وبكل احتياجاته من لدن قدير مطلق القدرة ورحيم في غاية الرحمة واللطف لو تركه لنفسه طرفة عين لهلك .

                               ******
فانظر إن شئت مثلا الى ذلك السر الذي يسري في جسدك و الذي يمد كل أعضائك بالطاقة والحيوية أنه كيف وصل إليك وهل لك الى معرفته من سبيل(١)  وأنك كيف تظل عاجزا أمامه إذا تسرب من جسدك تاركه وراءه جثة هامدة ليس لك الى استبقائه حول ولا قوة٠

وانظر إن شئت لذرات عينك كيف هي وكيف أن كل جزء منها يمد الآخر ويعينه ويسانده لتحقيق القوة الباصرة، فهل لك من تدخل في ذلك !! فإن كنت مالكا لذرات عينك فانسب لذاتك تلك القوة الباصرة واعتد بعد ذلك بنفسك كيف شئت ، وان لم تكن كذلك فاعلم أنك عبدا بواقعك الإضطراري لمن يملك تلك الذرات والتي هي كالجنود المسخرة له والمنقادة لأمره {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}.
____________
١- المقصود بالسر الروح وبعدم المعرفه إشارة الى قوله تعالى
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق