انتهينا في مقال سابق الى أن الحرية تنقسم الى حرية مطلقة وهي تلك الحرية التي ترفض كل قيد اي كان وخلص بنا الكلام الى عبثية هذا النوع من الحرية وأنها تنجر الى العدم ، والنوع الاخر من الحرية وهي الحرية النسبيه أوالحرية المقيدة وهي تلك الحرية التي تلحظ بعض القيود التي من شأنها أن تحافظ على مبدأ الحرية ذاته .
ومع أن الدين الاسلامي لاحظ مسألة الحرية في كل تشريعاته إلا أنه رفض الحرية المطلقة لأنها تعني الفوضى والفساد المطلق .
فالإسلام يقر بالحرية ويشرعنها أيضا ضمن دساتيره وأحكامه ولا يوجد ميدان من الميدان تنكر فيه الشريعة الاسلامية الحرية بالكلية بل نادى الاسلام بالحرية في مجالات مختلفة من ميادين الحياة وشعبها ، حتى على إطار المعتقدات فان الاسلام جعل الحرية تأخذ دورها وترك للإنسان حريته في المعتقد قال تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وقال تعالى{فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.
وأطلق الحرية في التشاورات السياسية ايضا قال تعالى{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.
وجعل للإنسان حرية التفكر قال تعالى{ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
ولا شك ان الاسلام يتضمن الأحكام الشرعية من افعل ولا تفعل وهي قد تحد بدورها من حرية الانسان غير انها في عمقها تتضمن تحرر الانسان من قيود وعبوديات دنيئة ، وبالنظر الى عدم وجود حرية مطلقة أصلا فلا ضير من وجود القيود التي تسمو بالإنسان الى غايات نبيلة ، فان التفلت من هذه القيود لا شك انه يوصل الانسان الى عبوديات لاحد لها ، وذلك لان الابتعاد عن الدين القويم والشريعة السماوية الربانية التي توضح للإنسان منهج فلاحه ونجاحه وتحقق له سعادة الدارين لاشك ان الإنحياد عن جادتها يرمي بالإنسان الى فقدانه حريته لان الدين يوصل الانسان الى المطلق الذي لا يحده حد والتفلت منه يقرب الانسان من المحدود ؛ فإذا الحرية تكتسب قيمتها من الدين المفضي الى عبودية الرب تبارك وتعالى وليس في نطاق او مجال خارج عنه فإن الكل خاضع لإرادة الله التكوينية .
وقد نادى احد علماء الاسلام في وآخر الدولة العثمانية قائلا " يا أبناء الوطن !! لا تفسروا الحرية تفسيرا سيئا كي لا تفلت من أيديكم ، ولا تخنقوها بسقي الاستعباد السابق ، في إناء اخر ؛ ذلك لأن الحرية أنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة"(١)
حقاً ان الانسان لا يصل الى السعادة الحقة الا بتباع الهدي القراني والتمسك بالدين السماوي ، وان من تنكر له ، فسيقع بين تأليه للذات او تأليه للغير ، وقد يتحرر من استعباد ما لكنه لا محالة واقع في استعباد من نوع اخر .
وفي الحقيقة لو نظرنا الى القواعد الفقهية لوجدناها تشير الى اتساع مدى الحرية أصلا مثل القاعدة الفقهية التي تقول" الأصل في الأشياء الإباحة" وهذه القاعدة تعني بان الأمور جميعها من حيث الأصل مباحة للإنسان ، فمن أراد ان يمنع احدا عن فعل باسم الدين فعليه ان يأتي بالدليل الموجب للمنع ، لان الأصل الإباحة وهي لا تحتاج الى من يدلل عليها بينما المنع والتحريم هما بحاجة الى دليل يدل عليهما.
وإذا عدنا ايضا الى نصوص التكاليف الشرعية من زاوية اخرى نجدها تطلب من المكلف القيام بالعمل او تطلب منه الابتعاد عن فعل مع ترك حرية القيام بالعمل او تركه للمكلف ، ويقتصر دور النصوص على الترغيب والترهيب وعلى التشويق والتحذير وبيان الجزاء بالحسنى لمن قام عليها والتخويف بالويل في العقبي لمن تركها وفي ذلك غاية الحرية وغاية الحفاظ على مصيره الأخروي اذ لا تتركه من غير بيان .
___________
١-النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية، ص. 81 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق